ابن رشد

235

تهافت التهافت

ولما أتى بالشناعات التي تلزم الفلاسفة أخذ مجاوبا عنهم ومعاندا لأجوبتهم . فقال : فإن قيل : كل ما لا علة له فهو واجب الوجود وقد ذكرنا من صفات واجب الوجود ما تبين به أن الجسم لا يكون واجب الوجود . قلنا : وقد بينا فساد ما ادعيتموه من صفات واجب الوجود وأن البرهان لا يدل إلا على قطع السلسلة وقد انقطع عند الدهري في أول الأمر إذ يقول لا علة للأجسام . وأما الصور والأعراض فبعضها علة للبعض إلى أن تنتهي إلى الحركة الدورية وهي بعضها سبب للبعض كما هو مذهب الفلاسفة وينقطع تسلسلها بها . ومن تأمل ما ذكرناه علم عجز كل من يعتقد قدم الأجسام عن دعوى علة لها ولزمه الدهر والإلحاد كما صرح به فريق فهم الذين وفوا بمقتضى نظر هؤلاء . قلت : كل هذا قد وقع الجواب عنه والتعريف بمرتبته من الأقاويل التصديقية فلا معنى لإعادة الكلام في ذلك . وأما الدهرية ، فالحس هو الذي اعتمدت عليه وذلك أنه لما انقطعت الحركات عندها بالجرم السماوي وانقطع به التسلسل ظنت أنه قد انقطع بالعقول ما انقطع بالحس وليس كذلك . وأما الفلاسفة فإنهم اعتبروا الأسباب حتى انتهت إلى الجرم السماوي ، ثم اعتبروا الأسباب المعقولة فأفضى بهم الأمر إلى موجود ليس بمحسوس ، هو علة ومبدأ للوجود المحسوس ، وهو معنى قوله سبحانه : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية . وأما الأشعرية فإنهم جحدوا الأسباب المحسوسة أي لم يقولوا بكون بعضها أسبابا لبعض ، وجعلوا علة الموجود المحسوس موجودا غير محسوس بنوع من الكون غير مشاهد ولا محسوس ، وأنكروا الأسباب والمسببات وهو نظر خارج عن الإنسان بما هو إنسان . قال أبو حامد معاندا للفلاسفة في قولهم : فإن قيل : إن الدليل على أن الجسم لا يكون واجب الوجود أنه إن كان واجب الوجود لم يكن له علة لا خارجه ولا داخله ، وإن كان له علة لكونه مركبا كان باعتبار ذاته ممكنا وكل ممكن يفتقر إلى واجب الوجود . قلنا لا يفهم لفظ واجب الوجود وممكن الوجود فكل تلبيساتهم في هاتين اللفظتين